عبد الملك الجويني

434

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولم يتهجم على الزيادة ؛ فإن الرخص لا تثبت إلا بالنص . ومن قال : يزيد ما استمرت الحال ، احتج بأن قال : عرفنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر منتظراً للفتح ، فاتفق المقام في هذه المدة ، والظاهر أنه لو تمادى انتظار الفتح ، لكان يتمادى على سجيته ، وهذا يقرب من القطعيات في مأخذ الكلام على الوقائع ، وبمثله أثبتنا استرسال الأقيسة ، ووجوه النظر في الوقائع من غير نهايةٍ ؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاسوا في مددٍ قياسَ من لا يقول ما يقول عن حصر . فهذا قول الشافعي في الغزاة إذا عَرَّجوا ( 1 ) للقتال . 1275 - فأما إذا كانت الإقامة لغرض آخر من تجارة أو غيرها ، وكان صاحب الواقعة يُجوّز نجازَها في مدةٍ قريبة ، ويجوّز استئخارها ، كما سبق تصويره ، فإنه يقصر في ثلاثة أيام ، وهل يقصر إلى تمام ثمانيةَ عشرَ ، كما يفعله الغازي ؟ فعلى قولين : أحدهما - أنه يقصر كالغازي . والثاني - لا يقصر فيما يزيد على الثلاث ؛ فإن الرخص لا يعدى بها مواضعها ، وقد نُقل القصرُ ثمانيةَ عشرَ يوماً في الغزو ، فهذه قاعدة النص في الموضعين . 1276 - ثم خرّج الأصحاب في الغازي قولاً من التاجر : أنه لا يقصر وراء ثلاثة أيام ، وخرجوا قولاً من الغازي في التاجر : أنه يقصر أبداً ، وإن زاد على ثمانيةَ عشرَ يوماً ، كما ذكرنا ذلك قولاً في الغازي . فإن قيل : ما وجه تخريج منع القصر في الزيادة على الثلاث في حق الغازي ؟ وقد نُقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر في هذه المدة ؟ قلنا : وجهه أن هذا المخرج يدَّعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنقل من بقعة إلى بقعة ، ومن قلعة إلى قلعة ، ومَن سماه عاكفاً أراد به عكوفه على ذلك الشغل في تلك الناحية ،

--> = ما جاء في التقصير ، ح 1080 ، أبو داود : الصلاة ، باب متى يتم المسافر ، ح 1229 ، 1230 ، الترمذي : الصلاة ، باب ما جاء في التقصير في السفر ، ح 545 ، أحمد : 1 / 223 ، البيهقي : 3 / 151 ، ابن حبان : 2739 ، التلخيص : 2 / 45 ح 607 ، نيل الأوطار : 3 / 256 ، نصب الراية : 2 / 86 ) . ( 1 ) عرّجوا : أقاموا . من عرّج بالمكان : إذا أقام فيه . ( المعجم ) .